ساسي سالم الحاج

204

نقد الخطاب الاستشراقي

لإيجاد الحلول الناجعة للقضايا المستجدة التي لا نصّ ظاهريّا يحكمها في المصادر الإسلامية المعتمدة ، فقد قال المستشرقون : إن اختلاف الأئمة يؤدي إلى تناقض الأحكام الشرعية في القضية الواحدة ، وبذلك فقد حكموا عليها بالتناقض والتضاد . وإذا كانت الأحكام الفقهية لم تكن مقننة في مدوّنات رسمية كما هو الشأن بالنسبة إلى القوانين الوضعية المختلفة ، فإن المستشرقين قد طعنوا فيها بحجة صعوبة رجوع القضاة إلى هذه الأحكام لأنها متفرقة متناثرة في كتب الفقه العديدة التي تتفرّق هي الأخرى في القضية الواحدة طبقا للمدارس الفقهية المتباينة . ولذا حكم المستشرقون على الفقه بالصعوبة في الرجوع إلى أحكامه لغير المتخصصين والمتمرّسين به . وإذا كان الفقه الإسلامي قد مرّ بالعديد من الأدوار في تطوّره وذلك طبقا لظروف الزمان والمكان الذي وجد فيهما ، وترعرع ونما في نطاقهما فإن المستشرقين حاولوا الطعن فيه من خلال هذا التطور الذي شككوا في عدم صحة مصادره وخروجها أحيانا عن مصادر التشريع الأصلية ، وتلمّس الفقهاء حلولا لمشاكل لم تعالجها النصوص الأصلية القاطعة فيكون هذا التطوّر الذي مرّ به خاضعا لمعطيات الحاجة ، وليس مستندا إلى أدلّة علمية صحيحة . درس المستشرقون الفقه الإسلامي من حيث تطوره وأصالته وصلاحيته ، وأفردوا له أسفارا ضخمة ، وكان منهم الموضوعي في تحليلاته ، ومنهم المتعسّف في أحكامه . ومنهم المنصف في استنباطاته ، ومنهم المخطئ - بسوء نيّة أو حسنها - في استنتاجاته . ونحن وقد آلينا على أنفسنا تتّبع هذا الموضوع من وجهة نظر استشراقية طبقا للمنهج الذي سلكناه في معالجة المواضيع الإسلامية الأخرى ، فإننا سوف نعرض هذه الآراء جميعا طبقا للمصادر المتوافرة لدينا ، وسنقوم بعد استعراضها بالرد عليها ودحضها كلما اقتضى الأمر ذلك ، ونحاول حصر موضوعنا في مباحث معينة ثابتة نظرا لشمولية واتساع هذا الموضوع الذي من الصعب على الباحث أن يلم شتاته المتفرق في مثل هذه الدراسة التخصيصية . وتنقسم هذه الدراسة إلى المباحث التالية : المبحث الأول : المستشرقون وتطوّر الفقه الإسلامي . المبحث الثاني : المستشرقون وأصالة الفقه الإسلامي . المبحث الثالث : المستشرقون واستمرارية وصلاحية الفقه الإسلامي .